إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

شىء ما يبقى

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • شىء ما يبقى








    يلتمس العونُ البقاءَ بين نسمات العطاء اللامحدودة، تلامس العيون الممتنة كفيلٌ بأن يُطَرَزَ جمال العطاء، لكن ماذا لو احتفظت بجزءٍ ما مِن مَن أهداك شيئاً؟
    كلارى سيلفيا، 70 عاما، استقبلت القلب والرئة من شاب فى الثامنة عشر من عمره بعد وفاته جرَّاء حادث مرورى، أصدرت كتاباً يصف رحلتها والتغيرات التى شكلت معالماً جديدة أنارت حقل تجاربها، ميول نحو أطعمة معينة لم يسبق لها أن أُعجِبت بها، هوايات جديدة، وعندما تقرر مراسلة الأهل تكتشف أنها لم تستقبل فقط أعضاءً من ولدهم، بل استقبلت جزءاً منه، وكأن الشاب لم يرحل قط، بل قرر الاحتفاظ بجزء من ذكرياته بحوزة شخصٍ آخر!
    أما بالنسبة للطفلة التى استقبلت قلباً من قرينتها التى تبلغ عشرة أعوام كان الأمر مختلفاً بعض الشىء، طاردت المستقبلة كوابيس بدت وكأنها حقيقية، وعند لجوئها لطبيبٍ نفسى رسمت له صورة لقاتل يحاول النيل منها، كانت الصورة مطابقة تماماً لقاتلٍ متهمٍ فى جريمة قتلٍ للمتبرعة!
    فحتى وإن قررت تلك المسكينة أن تتناسى بشاعة الجريمة ورحلت عن عالمنا بأسره كان لخلاياها رأى آخر وطريقةٌ أخرى تحاول أن تخلِّد بها ما تعرضت له.
    وكأن أعضاءك لا تحمل لك الحياة فقط بل تحملك أنت، وعندما تعيش خارج جسدك تحمل جزءاً منك معها، ذكرياتكَ طيفٌ يقررُ المكوثَ بين ثناياك المعقدة والمتفرعة، تَنفث ريشها الملون بتفاصيل حياتك الملتحمة بين عَبق ماضيك وحاضرك.
    أساطير أحد أقدم السجلات لزراعة الأعضاء، تحديداً بيان كايو، عرف ورد فى عهد أسرة هان فى الصين القديمة، قائمٌ على مبدأ تبادل القلوب، ينص أن تحقيق التوازن يتم من خلال تبادل الأعضاء بين الرجال أصحاب "الإرادة القوية" و"الروح الضعيفة" مع آخرين ممن يملكون صفات معاكسة!
    تسكن جسدَكَ أم يسكُنُك جسدُك؟
    على الرغم من كون الدماغ العضو الرئيسى المتحكم فى تفكيرك ومشاعرك إلا أن الأبحاث العلمية تشق طريقها فى محاولة لتفسير العلاقة بين أجزاء الدماغ المسئولة عن الذاكرة وخلاياك الجسدية التى يفترض أنها تحمل جزءاً من ذكرياتك، فعند قيامك بزراعة قلب لفئران التجارب لوحظ زيادة فى حجم جزء فى الدماغ من ضمن الأجزاء المسئولة عن التحكم بذاكرتك، أو ما يسمى بالـ"hippocampus"، بطريقة ما أو بأخرى تَسْكُنُكَ ذكرياتُك، لحظات انهيارك وضعفك، قوتك وإصرارك، لا تمثل فقط جزءاً من عالمك، بل تمثل جزءاً منك، يسافر كيانك عبر دمك ليشكل تفاصيلك الصغيرة، تنعكس ذكرياتك على حواف جسدك وبين أحرف الكلمات المتزنة على زوايا أعضائك، قد تقرّرُ الرحيلَ لكن شيئاً ما يبقى!

    محمود شحاتة
Working...
X