إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

حكاية الولهان مع وردة الريحان

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • حكاية الولهان مع وردة الريحان







    الحمد لله رب العالمين و صلى الله وسلم و بارك على عبده و رسوله نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين و بعد :
    فهذه نفحات و عطرات وخطرات و ومضات من خواطر الافكار حدائق النوار أهديها للزوار ، حتى يتفيؤوا من ظلالها و يرتووا من مائها تذكيرا للبعيد الناسي و وتنبيها للقريب القاسي عن قصة طريفة و حكاية ظريفة بين محب الأنوار و سيدة النوار في حائط القلب و الروح عند موقع الجروح، سميت هذا البديع المسلسل و الغدير المهلهل بـ : " حكاية الولهان مع وردة الريحان " أرمي من ورائها إلى التذكير و التنبيه عن علاقات المحبين و مجرى المتيمين ، حتى أشق من لظى عرقها حقيقة الغرام بين الحل و الحرام و من هو فيه من أهل الإخلاص الكرام ممن هو له خائن من أهل الإجرام ، فاسمع لما أقول و انتبه لما أصول فيه و أجول ، وأقول في أول الأمور معتمد على العزيز الغفور :
    " ألزم رب الأزمان و خالق السماوات الحسان خلقه من الإنس و الجان بتوحيده و عبادته و تقديسه و إلهته ، خوفا من نيرانه و طمعا في إحسانه و جنانه حتى يصطفي من ذلكم الجمع الغفير و النفر الكثير أحبابه وجيرانه من أعداءه و و خسرانه ممن أطاعوا الرسول و اتبعوه وحاربوا أعداءه و نصروه فكان هدا الجزاء لعباده الأوفياء حق من عنده و فضلا من جوده يتمتع به الأبرار في دار المستقر و القرار.
    فكان للفائزين الامن والقرار والهالكين الفزعة والبوار
    و لكن مما كتب الله تعالى على هذه القلوب الواهية و المضغ الباليه أن تمل لوحدها و تكل بمفردها ، و الروح مادة غيبية و تركيبة ربانية لا يعرف كنهها ولا يعلم حقيقتها إلا خالقها ، قدر لهذه الأجساد الخسيسة الجامعة بين الروح والقلب أن لا ترضى إلى بأنيس أو أنيسة ممن يعين على الطلب و يحذر من العطب لكونها ضعيفة المحمل كثيرة المشرب والمأكل ، تريد أن تقاسم أمرها و تفرق أنسها بين محب و محبة ، فهنا جعل الصمد العلي الأحد خلقا صورته نضرة و قريحته عطرة وسماه بمنه و كرمه الحب .
    ففرح الخلق بهذا المولود العطر و الجديد النضر و أخدوا يتعلمون منه الاحكام ويضبطوها بإحكام و يسمعون من قيله و قاله فتشبثوا به ايما تشبث و مكثوا معه اينما تلبث فأرادوه صديقا حميما و ثيقا لا ينفك عنهم و لا يزول و لا يغادر مرتع النزول ، حتى تحلو بقاله و تجملوا كحاله .
    و لكن الحب خاف على نفسه الرياء وأن ينازع خالقه الكبرياء ، لان الناس قد تشبثوا به كثيرا و تحببوا اليه و جعلوه نصيرا و قد غلوا فيه كثيرا و تعلقوا بافكاره المثيرة،و الحب يعرف حقيقة الوجود و لما هو في الوجود ، و عرف أنه إن شارك خالقه في العبادة فثم الطامة و الابادة و عندها لا ينفع الجاه و لا سيادة ، فحذر الخلان و نبههم مع مرور الازمان أنه يحمل من العلم الكافي و الكلام الوافي ما يشفي المجانين و يجن العاقلين و يطوع رقاب السلاطين ، فحذرهم من علمه الذي لا ينفع ووبخ من عرف ولم يسمع .
    فما طفقت الايام و الليالي الا و الناس على مناخرها تقع حتى صار حب هذا المخلوق أكثر من حب رب المخلوق ، فوقع الناس في الشركيات و طغت عليهم الملهيات لأنهم أخدوا من علم الحب ما لا ينفع و تركوا الذي من الشر يدفع ، فمالوا مع كل كبيرة و اقترفوا بلايا كثيرة ووقع امر الله المقدور في الكتاب المستور
    ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله
    بقية الاية وافهم الغاية

    فعندها اختبأ الحب في حديقة رقراقة ذات أشجار براقة ، فيها من كل الفواكه الحسان ، و أنواع الثمار من مختلف الألوان ، و دعا ربه بدعوة رضية صادقة مرضية أن يصيره الله تعالى وردة جميلة و نوارة جليلة ، فصار الحب ريحانا و اختفى في الحديقة أزمانا .

    ومرت الايام وكبر الصغير الولهان و كان ممن يحسن مداواة الجروح الواقعة على القلب و الروح ، و كان يستعين في دوائه لعلاج أدعيائه بالحشاوش والثمار ومختلف أنواع الأزهار ، فقرأ يوما في كتاب عريق حذر من أمر لصيق مادة روحية ذي خلقة إلهية تتسلط على القلوب فتملأها باللغوب فمن جرى معها المجاري أودعته المهالك و من أحجم دونها المحاجم نال شرف الممالك ، فتمعن في اسمه و تصفح رسمه فعرف أنه الحب وقرأ أنه مختف في حديقة رقراقة ذات أشجار براقة ، فعرف الولهان مكانه و أسرع من أوانه .
    فلما أقبل الولهان على الحديقة بعد سير متعب و سفر مرهب تسلق الجدار و نظر نحو الازهار ، فبانت الرياحين بلونها الازرق الهادي و فاح عطرها الشاذي ، فدنى الولهان و تكلم معاتبا الريحان : "ويحك لقد صغر أمرك، وكبر جرمك، وضعف قدرك، ولقد أقلت بعلمك الطير، لسانك جلب عليك الضير، وما يفضى بك إلى خير، وما يهلك الإنسان، إلا عثرات اللسان، فلولا لقلقة لسانك، ما غربت عن أوطانك، وأخذت من بين أقرانك، وحبست في ضيق البساتين، وسد عليك باب التوابين، فهل ذلك إلا مما جناه عليك لسانك، وأفصح به بيانك، فلو جعلت الشرع لك علامة، لبرئت من الملامة، وعلمت أن الصمت رفيق السلامة، ألا تراني كيف أدمن الكتابة ، وأبرئ الكآبة، فكان العلم جمالي، ولزوم الأدب كمالي، اقتنصت من الحكمة قهرا، وجلبت إلى بلاد الغربة جبرا، فلا بالسريرة بحت، ولا على العشيرة نحت، بل أدبت حين غربت، وقربت حين جربت، ومنحت حين امتحنت، وقد قيل فيما تقدم من الزمان عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، نظر مؤدبي إلى تخليطى الوقت، فخاف على من المقت، فكمم تصرى بكمامة، ولا تمدن عينيك، وعقد لساني بعقدة، ولا تحرك به لسانك، وقيد قدمى بقيد، ولا تمش في الأرض مرحا، فأنا في وثاقي أتألم، ومما ألاقى لا أتكلم، فلما كممت وعلمت، وأدبت وهذبت، استخلصنى مؤدبى وصيرني إلى الصيد، وأزال عني ذلك القيد، فأطلقت وأرسلت هناك بإشارة إنا أرسلناك، فلما رفعت الأكمة عن عينى، وأصلحت ما بينه وبيني، رأيت الملوك خدمى، وأكفه من تحت قدمي"
    فعندها اجاب الريحان الفتى الولهان :" قد آن حضورى، وحان سرورى، فخذونى خديما، واتخذونى نديما , فانا في وفاقي اتألم ومما الاقي لا اتكلم ، فرطيب خضرتى يخبر عن طيب حضرتى، وكيف تستريح روح بغير ريحان، أم كيف يطيب وقت بغير ألحان، أنا الموعود تحت عرش الرحمن، السارى بأنفاسي إلى صميم الجنان، فلونى أعدل الألوان، وكوني ألطف ما في الأكوان، فمن جنانى يستنشق الطائع والجاني، فأنا أليف المتيمين , وحليف المغرمين، وجليس العاشقين، وكاتم الأسرار، فإن سمعت في جنسى بالمنام، فلا تكن له من اللوام، فإنه ما نم إلا على عطره، ولا باح إلا بسره، ولا فاح إلا بنشره، باح بسره إعلاما، ونشر بنشره أعلاما، فلذلك سمى نماما، فليس من نم على نفسه كمن نم على غيره، ولا من جاد بخيره كمن عاد بضيره، فقد جرت الأحكام، وجفت الأقلام، أن النمام مذموم بين الأنام ،ويحكم إنى أفوح بوقاحة روحى بين الرياحين، وأتردد على الآثار حينا بعد حين، أجلب من خزائن الغيوب، ولا أسكن إلا في كماين الجيوب، أبوح بسرى أينما حضرت، وأفوح بعطرى أينما خطرت، لا أخفى على ذى ذوق، ولا ينكرنى من له شوق، فريحى في البساتين يعلو، وزهرى ونشرى على الأزاهير ينمو، لأن من طاب معناه، كان أطيب معناه، كان أطيب وأذكى، ومن صح دعواه، كان أطهر وأذكى، فمن أراد مراتب العلى فليعل بلطافة معانيه، وليرق فى درج معاليه، ولا يكن ممن قصر في تدانيه، فما يفوز بأمانيه. طوبى لمن عشق وعفى ابدا فله عيش السعدا، وان مات كان من الشهداء, إلى متى أموت بالذبول كمدا، وأكتسى بالنحول أثوابا جددا، أفتنى الأيام فما أطالت لى أمدا، وغيرتنى الأحكام فما أبقت لي جلدا، فما أقصر ما قضيت عيشا رغدا، وما أطول ما بقيت يابسا منجردا، وجميلة فضولى أننى أؤخذ أيام حصولي، فأقطع عن أصولى، وأمنع عن وصولى، ثم يتقوى على ضعفي، ويعسف بي مع ترفى ولطفى، فيتنعم بي من حضرني، ويجتلبني من نظرني، ثم لم ألبث إلا يوما، أو بعض يوم، حتى أسام بأنجس السوم، ويعاد على بعد الثناء باللوم، فحينئذ أعود يابسا، ومن النضارة آيسا، فيأخذنى أهل المعانى، ومن كان للحكمة يعانى، فتفشى بي الأورام الفاشية، وتلين بي الآلام القاسية، وتلصق بى الطبائع العاتية، ويدفع بي الأدواء العادية، وتكتب حولي الاشعار الراقية , والناس يتنعمون بيابسى ورطبى، ويتقلبون بين حلوي ومري , جاهلون بعظم خطبى، غافلون عما أودع فىَّ من حكم ربى، ولسان الحال يقول عنى بلا ضجر، فإنى لمن تدبرنى عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن ادّكر، وفيَّ مزدجر لمن ازدجر، حكمة بالغة فما تغنى النذر"
    فعندها بكى المتيم الولهان ورق له الجنان من وقعة اللسان ، و عرف أن الريحان يقاسي من وحشة التناسي ، و أن الحب مستحيل بين العباد إلا بصلة من الملك الوهاب فعندها دل الحب الولهان عن الدواء النافع و الطب القانع فقال الريحان :"أما علمت أيها المخلص الرقيق ذو القلب الشفيق أن الامر دواؤه الزواج هو الذي يقوم الاعوجاج و يبعث الابتهاج و يصفي لك المزاج و يصيرك صلبا كالزجاج ؟
    فعندها فرح الولهان المتيم و عرف قدر علم المعلم فانقاد الى طريق العودة وهو يأمل العثور على تلك الوردة اللتي تكون له بمثابة الماء المعين و العقد الثمين .



    فهل ياترى وجد بغيته ؟
    فهل ياترى وجد بغيته ؟
    فهل وجد هذه الوردة؟

    Last edited by عطر ليبيا; 09-08-2017, 07:09 PM.




    إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ .. في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا

  • #2
    تسلم يمناك على هذا الطرح الطيب والمجهود
    يعطيك ربي الف عافيه على روعة الطرح
    على هذا المجهود الطيب والراقي
    دمتم ودام عطائكم الراقي المميز
    ودي وتقديري

    Comment


    • #3
      كل الشكر لهذا الموضوع
      لك مني كل التقدير

      Comment


      • #4
        يسلمواعطر
        للطرح الرائع والمميز
        سلمت يدك



        Comment


        • #5
          الخالدي
          شكراً لكَ ولردكَ




          إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ .. في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا

          Comment


          • #6
            هاني
            شكراً لكَ




            إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ .. في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا

            Comment


            • #7
              حسن
              دمت متألق بمروركَ




              إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ .. في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا

              Comment

              Working...
              X